الصفحة الرئيسية » الكتاب
نشر بتـاريخ : 2016-02-28 السـاعة : 10:15 PM

مات الساقي والنديم

 

"هذه تغريداتٌ قد لا تكون ذات قيمة إلا عند كاتبها, لأنه يستشفي بالكتابة ويتنفس من ثقوب الكلمات ..." بهذه العبارة ابتدأ الهدلق آخر تغريداته معلناً رحيله عن تويتر , تاركا خلفه فراغاً ثقافياً كبيراً,وركاماً من تغريداتٍ لعلماء ومثقفين وأدباء, كادت تنوء عن حملها صفحات تويتر.

 

كانت كلماته كالصواعق تنهال على المتابعين بأسلوب يخطف القلوب ويسحر الألباب, وتغريدات كأنها عقد اللؤلؤ المنتظم, وكأنما الجاحظ قد أنبعث للناس من جديد,أو قُل إنْ شئت: أنّ طه حسين والرافعي والمازني والزيات والطنطاوي قد اجتمعوا سوياً لكتابة هذه التغريدات, ويبدو أن الهدلق كان حينها في حالة نفسية سيئة جدا, فهو يقول: "إن قلمي لا يكون في أحسن حالاته إلا إذا ساءت نفسي"

 

ولِمَ لا يكون له ذلك القلم السيّال والأسلوب الأدبي العذب والتراكم المعرفي الباذخ, وقد أتَى على كُلّ كتب العلماء والأدباء والفلاسفة والمفكرين من العرب وغيرهم, في مشروع ضخم من الثقافة الذاتية والقراءة الدائمة التي قد تصل إلى 13 ساعة في بعض الأيام, دون ملل أو ضجر,ولا غَرو من ذلك إذا ما علمنا أن شِعاره في الحياة هو "القراءة بديلٌ عن الحياة"

 

يقول في مقدمة كتابه (ميراث الصمت والملكوت): "الثورة على بؤس الطين, ذلك ما أدعوه توثب الروح للشخصية النّامية في مفاصل حياتها الكبرى .. يوم تعرّت روحي, بصقتُ الماء الآسن في وجه الدنيا, وطفقت أخصِفُ عليّ من ورق المعرفة"

 

عاد الشيخ عبدالله الهدلق إلى مكتبته وأوصد على نفسه الباب بعد أن أغلق النافذة التي كان يطل منها على الناس, معلناً فشله في إقامة علاقات اجتماعية جيّدة مع المجتمع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي, مؤكدا صِدق مقولته في إجابته عندما سُئل هذا السؤال: ماذا يمكن أن تضيف القراءة بالنسبة للشخص؟ حيث أجاب: "ستضيف القراءة للمرء حسداً كثيراً وستفقده القدرة على إقامة العلائق الاجتماعية والتكيف مع الناس، ستضيف له معرفة جيدة بشركات نقل الأثاث؛ لكثرة تنقله بمكتبته من بيت قديم إلى بيت أقدم منه؛ ليتحيف فارق الإيجار حتى يشتري به كتباً تتراكم فوق خيباته"

 

كانت صفحة الهدلق أحد أكبر مقومات القراءة ودوافعها لجميع شرائح المجتمع وألوانه, فقد أنزل الثقافة من عليائها ووضعها بين الناس, وفعل ما عجزت عنه المؤسسات الثقافية الكبرى, تعلّمنا منه حُبّ القراءة, وأن نقرأ لنعيش ولا نَعِش لنقرأ, تعلمنا منه أن المعرفة لا حدود لها, وأنّ الكتاب هو الصديقٌ الوفيّ الذي لن يخوننا أبدا.

 

كنتُ أعتقد للوهلة الأولى أن الهدلق سيعود إلينا ولكن بوجه جديد, كما كنا نفعل أيام المنتديات, نعلن الرحيل فما نلبث أن نعود بمستخدم آخر, ولكن هيهات, فقد "مات الساقي والنديم".

 

 

التــعليــقــات (6)
1 MoFab
2016-03-01 - 04:03 PM
حقيقة تأملت كثيراً في الكلمات

وقد نويت منذ البداية بوضع الإشارة

ولكن عندما أتيت إلى النهاية

آلمتني تلكم العبارة ..

ويكفيني أن أبثّ عبق الذكريات

وأسجل حضور وإعجاب بعزيز

شهادتي فيه مجروحه ..!

تحيتي
2 فتى الحوراء
2016-03-09 - 02:03 AM
MoFab
يا لله كم أثرت من شجون!
وكم حركت فينا من سكون!

ويا لله ما أبهى هذا الحضور!
حضور لم تزده السنوات إلا جمالا
كجمال تلك الأيام
ونقاء كنقاء تلك النفوس

ويكفيني أن استنشق عبق تلك الذكريات
فلا الزمان بالزمان!
ولا المكان بالمكان!

شكرًا أيها النبيل

دمت بخير
3 جوااال
2016-03-10 - 03:03 AM
اثارني حضور الاحبه موفاب وفتى الحوراء بعد ان نبش الاستاذ طلال اوراق الذكريات ليحي فينا الحنين لتلك الايام الجميله شكرا طلال قلت لك عند لقاي بك كم يصعب علي ان ابوح بالكلمات عندما اقراء ما تكتب لذا افضل الصمت
4 King
2016-03-10 - 04:03 AM
ما اجمل اللقاء بعد طول غياب

لكم تحياتي القلبية
5 فتى الحوراء
2016-03-12 - 03:03 PM
جوااال
King

حنانيكم علينا فقلوبنا لا تحتمل كل هذه المشاعر

عدت لألقي عليكما التحية ثم أغادر بصمت متوكأً على عصا الذكريات الجملة

دمتم بخير
6 أبو الزبير الجهني
2016-06-12 - 01:06 PM
نعم الله التي لاتعد ولاتحصى ..أن عرفني بالشيخ الجليل الموسوعي 

البحاثة: عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق..حفظه الله 

فلقد زرته في بيته وجلستُ معه قرابة الساعتين فكانت والله 

من أفضل وأمتع اللقاءات،وقد كان من القلة القليلة الذين تركوا في نفسي 

أعمق الآثار وأبقاها.

رأيتُ شاباً في ريعان شبابه، صاحب همة عالية ، واطلاع واسع،طلاق 

الدنيا ، وعكف على العلم والتعلم، كأنما خلق للقراءة والبحث ،لايخرج من 

المكتبة إلا لما لابد منه ...سريع الملل في غير القراءة،

والمباحثة،قلل من الخلطة ،وجالس الكتب ، ولسان حاله يقول:

لِقاَءُ النَّاسِ ليس يُفِيدُ شيئاً....سِوى الهذيان مِن قيل وقال

فأقلل من لقاء الناس إلا ...لأخذ العلم أو إصلاح حالِ

جرد مئات المطولات،واسع الإطلاع ،قرأ جميع كتب ابن تيمية بلا 

استثناء، لطيف العبارة ، لين الجانب ، صاحب طرفة ،يألف ويؤلف، يجيب 

على السائل بكل هدوءٍ وانشراح، يقبل على السائل بوجهه،فيه سمت أهل 
العلم، وترى فيه الصدق إذا تكلم.

أنسه بالكتب والقراءة ، أعظم من أنسه بالناس،والحديث معه عن الكتب، 

والعلم أحب إليه من الحديث عن المال ،والجاه،يعيش أقرب إلى العزلة ،

يعيش بين الكتب وقلة من إخوانه،وسألته قلت له : ياشيخنا أنت تعيش 

في عالم آخر؟! فابتسم ،وقال نعم أعيش في عالم آخر.

ولسان حاله يقول:
خليلي كتابي لايعاف وصاليا.....وإن قلَّ لي مالٌ وولى جماليا
كتابي عشيقي حين لم يبق معشق....أغازله لوكان يدري غزاليا
كتابي جليسي لاأخاف ملاله ....محدّث صدق لايخاف ملاليا
كتابي بحرٌ لايغيض عطاؤه....يفيض عليَّ المال إن غاص ماليا
كتابي دليلٌ لي على خير غاية ...فمن ثم إدلالي ومنه دلاليا

والشيخ مولعاً بشراء الكتب ،والقراءة وربما فاته شيء من متاع الدنيا 

بسببها..وربما لامه بعض المحبين له ولسان حاله يقول:

وقائلةٍ أنفقتَ في الكتُب ماحَوتْ ...يمينُك من مالٍ فقلت دَعيني

لعليَّ أَرَى فيها كتاباً يدُلَّني...لأخذ ِكتابي آمناً بيميني

وقد أثنى على الشيخ حفظه الله ، جمع من أهل العلم

منهم : الشيخ العلامة الموسوعي : بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله في كتابة طبقات النسابين، وأثنى عليه الشيخ الدكتور : حمد التويجري في 

كتابة تحقيق الفتوى الحموية، والشيخ الدكتور: عبدالعزيز آل عبداللطيف 

والشيخ الدكتور: بندر بن عبدالله الشويقي، والشيخ الفاضل: سليمان بن 

صالح الخراشي..وغيرهم كثير.


والحديث عن الشيخ: عبدالله الهدلق حفظه الله طويل وذيوله كثيرة، ولا 

أستطيع إن فتحته أن أغلقه.فحسبي ماذكرت ، والعفو إن أجملت أو أبهمت 
اضف تعليق جديد
الإسـم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
 
جاري ارسال التعليق ..
تم ارسال تعليقك بنجـاح وسوف يظهر تعليقك بعد نشره

 
طقس محافظة أملج مواقيت الصلاة بمحافظة أملج